ابن حجر العسقلاني
136
فتح الباري
الناس أن فيه اثبات العدوي وليس كذلك وساق حديث فر من المجذوم فرارك من الأسد من حديث أبي هريرة ومن حديث عائشة وحديث عمرو بن الشريد عن أبيه في أمر المجذوم بالرجوع وحديث ابن عباس لا تديموا النظر إلى المجذومين ثم قال إنما أمرهم صلى الله عليه وسلم بالفرار من المجذوم كما نهاهم أن يوردوا الممرض على المصح شفقة عليهم وخشية أن يصيب بعض من يخالطه المجذوم الجذام والصحيح من الماشية الجرب فيسبق إلى بعض المسلمين أن ذلك من العدوي فيثبت العدوي التي نفاها صلى الله عليه وسلم فأمرهم بتجنب ذلك شفقة منه ورحمة ليسلموا من التصديق بإثبات العدى وبين لهم أنه لا يعدي شئ شيئا قال ويؤيد هذا أكله صلى الله عليه وسلم مع المجذوم ثقة بالله وتوكلا عليه وساق حديث جابر في ذلك ثم قال وأما نهيه عن إدامة النظر إلى المجذوم فيحتمل أن يكون لان المجذوم يغتم ويكره إدمان الصحيح نظره إليه لأنه قل من يكون به داء إلا وهو يكره أن يطلع عليه اه وهذا الذي ذكره احتمالا سبقه إليه مالك فإنه سئل عن هذا الحديث فقال ما سمعت فيه بكراهية وما أدري ما جاء من ذلك إلا مخافة أن يقع في نفس المؤمن شئ وقال الطبري الصواب عندنا القول بما صح به الخبر وأن لا عدوى وأنه لا يصيب نفسا إلا ما كتب عليها وأما دنو عليل من صحيح فغير موجب انتقال العلة للصحيح إلا أنه لا ينبغي لذي صحة الدنو من صاحب العاهة التي يكرهها الناس لا لتحريم ذلك بل لخشية أن يظن الصحيح أنه لو نزل به ذلك الداء أنه من جهة دنوه من العليل فيقع فيما أبطله النبي صلى الله عليه وسلم من العدوي قال وليس في أمره بالفرار من المجذوم معارضة لاكله معه لأنه كان يأمر بالامر على سبيل الارشاد أحيانا وعلى سبيل الإباحة أخرى وإن كان أكثر الأوامر على الالزام وإنما كان يفعل ما نهى عنه أحيانا لبيان أن ذلك ليس حراما وقد سلك الطحاوي في معاني الآثار مسلك ابن خزيمة فيما ذكره فأورد حديث لا يورد ممرض على مصح ثم قال معناه أن المصح قد يصيبه ذلك المرض فيقول الذي أورده لو أني ما أوردته عليه لم يصبه من هذا المرض شئ والواقع أنه لو لم يورده لأصابه لكون الله تعالى قدره فنهى عن إيراده لهذه العلة التي لا يؤمن غالبا من وقوعها في قلب المرء ثم ساق الأحاديث في ذلك فأطنب وجمع بينها بنحو ما جمع به ابن خزيمة ولذلك قال القرطبي في المفهم إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إيراد الممرض على المصح مخافة الوقوع فيما وقع فيه أهل الجاهلية من اعتقاد العدوي أو مخافة تشويش النفوس وتأثير الأوهام وهو نحو قوله فر من المجذوم فرارك من الأسد وان كنا نعتقد أن الجذام لا يعدي لكنا نجد في أنفسنا نفرة وكراهية لمخالطته حتى لو أكره إنسان نفسه على القرب منه وعلى مجالسته لتأذت نفسه بذلك فحينئذ فالأولى للمؤمن أن لا يتعرض إلى ما يحتاج فيه إلى مجاهدة فيجتنب طرق الأوهام ويباعد أسباب الآلام مع أنه يعتقد أن لا ينجي حذر من قدر والله أعلم قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة الامر بالفرار من الأسد ليس للوجوب بل للشفقة لأنه صلى الله عليه وسلم كان ينهى أمته عن كل ما فيه ضرر بأي وجه كان ويدلهم على كل ما فيه خير وقد ذكر بعض أهل الطب أن الروائح تحدث في الأبدان خللا فكان هذا وجه الامر بالمجانبة وقد أكل هو مع المجذوم فلو كان الامر بمجانبته على الوجوب لما فعله قال ويمكن الجمع بين فعله وقوله بأن القول هو المشروع من أجل ضعف المخاطبين وفعله حقيقة الايمان فمن فعل الأول أصاب السنة وهي أثر الحكمة ومن فعل الثاني كان أقوى يقينا